أحمد مصطفى المراغي

24

تفسير المراغي

عند ربه من الحق فلا يضرنّ إلا نفسه ، لأنه جعلها مستحقة لغضب اللّه وأليم عذابه ثم زاد الجملة الثانية توكيدا بقوله : ( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) أي ولا تأثم نفس آثمة إثم نفس أخرى ، بل على كل نفس إثمها دون إثم غيرها من الأنفس . وفي هذا قطع لأطماعهم الفارغة ، إذ كانوا يزعمون أنهم إن لم يكونوا على الحق فالتبعة على أسلافهم الذين قلدوهم . روى عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في الوليد ابن المغيرة حين قال : اكفروا بمحمد وعلىّ أوزاركم . ولا منافاة بين هذه الآية وبين قوله : « لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ » وقوله : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ » فإن الدعاة إلى الضّلال عليهم إثم ضلالتهم في أنفسهم ، وإثم آخر بسبب إضلالهم من أضلوا من غير أن ينقص أوزار أولئك ولا يرفع عنهم منها شيئا ، وهذا عدل من اللّه ورحمة منه بعباده . ثم ذكر عنايته ورحمته بهم فقال : ( وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) أي وما كنا مهلكي قوم إلا بعد الإعذار إليهم بالرسل وإقامة الحجة عليهم بالآيات التي تقطع أعذارهم ، وبمعنى الآية قوله تعالى « كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ؟ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ » وقوله : « أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ ؟ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ » إلى نحو ذلك من الآيات الدالة على أن اللّه لا يدخل أحدا النار إلا بعد إرسال الرسول إليه .